الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
114
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وجملة إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً تعليل للنهي عن اليأس من رحمة اللّه . ومادة الغفر ترجع إلى الستر ، وهو يقتضي وجود المستور واحتياجه للستر فدل يَغْفِرُ الذُّنُوبَ على أن الذنوب ثابتة ، أي المؤاخذة بها ثابتة واللّه يغفرها ، أي يزيل المؤاخذة بها ، وهذه المغفرة تقتضي أسبابا أجملت هنا وفصلت في دلائل أخرى من الكتاب والسنة منها قوله تعالى : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى [ طه : 82 ] ، وتلك الدلائل يجمعها أن للغفران أسبابا تطرأ على المذنب ولولا ذلك لكانت المؤاخذة بالذنوب عبثا ينزه عنه الحكيم تعالى ، كيف وقد سماها ذنوبا وتوعد عليها فكان قوله : إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ دعوة إلى تطلب أسباب هذه المغفرة فإذا طلبها المذنب عرف تفصيلها . و جَمِيعاً حال من الذُّنُوبَ ، أي حال جميعها ، أي عمومها ، فيغفر كل ذنب منها إن حصلت من المذنب أسباب ذلك . وسيأتي الكلام على كلمة ( جميع ) عند قوله تعالى : وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ في هذه السورة [ 67 ] . وجملة إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ تعليل لجملة يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً أي لا يعجزه أن يغفر جميع الذنوب ما بلغ جميعها من الكثرة لأنه شديد الغفران شديد الرحمة . فبطل بهذه الآية قول المرجئة إنه لا يضر مع الإيمان شيء . [ 54 ] [ سورة الزمر ( 39 ) : آية 54 ] وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ( 54 ) لما فتح لهم باب الرجاء أعقبه بالإرشاد إلى وسيلة المغفرة معطوفا بالواو وللدلالة على الجمع بين النهي عن القنوط من الرحمة وبين الإنابة جمعا يقتضي المبادرة ، وهي أيضا مقتضى صيغة الأمر . والإنابة : التوبة ولما فيها وفي التوبة من معنى الرجوع عدّي الفعلان بحرف إلى . والمعنى : توبوا إلى اللّه مما كنتم فيه من الشرك بأن توحدوه . وعطف عليه الأمر بالإسلام ، أي التصديق بالنبيء صلّى اللّه عليه وسلّم والقرآن واتباع شرائع الإسلام . وفي قوله : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ إيذان بوعيد قريب إن لم ينيبوا ويسلموا كما يلمح إليه فعل يَأْتِيَكُمُ . والتعريف في العذاب تعريف الجنس ، وهو يقتضي أنهم إن لم ينيبوا ويسلموا يأتهم العذاب . والعذاب منه ما يحصل في الدنيا إن شاءه اللّه وهذا